Pas de traduction disponible pour le moment.
فلما ثبت بالسنة المتواترة أن الجهاد يفضل مع العلم بأنه يقصر فيه الصلاة بقَصْرِ العمل الذي هو قصر العدد فإنَّ قَصْر العدد سُنَّة السَّفَر، وأما قَصْر العمل فسنة الخوف. ولهذا إذا اجتمع الأمران شُرِع القَصْر المُطلق، كما في قوله: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (١). والآية على ظاهرها؛ فإن القَصْر المطلق المتضمن لِقصر العدد وقصر العمل إنما يكون مع الأمرين. وقد بيَّنَت السنة أن مجرد الخوف يُفيدُ قصر العمل، ومجرد السفر يفيد قَصْر العدد.
فهذا كله مما يبين أن الصلاة وإن كانت أفضل الأعمال فإنها إذا اجتمعت مع الجهاد لم يترك واحد منهما، بل يُصَفَى بحسب الإمكان مع تحصيل مصلحة الجهاد بحسب الإمكان. وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)) (٢). فأمر بالثبات والذكر معاً.
وكانت السنة على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه وأصحابه وخلفاء بني أمية وكثير من خلفاء بني العباس أنَّ أمير الحرب هو أمير الصلاة في المقام والسفر جميعًا.
وما ذكرناه يبين بعض حِكمة كون النبي ﷺ والمهاجرين كان مقامهم بالمدينة أفضل على أحد قولي العلماء؛ فإنهم كانوا بها مهاجرين
(١) سورة النساء: ١٠١.
(٢) سورة الأنفال: ٤٥.