16
Pas de traduction disponible pour le moment.
Ce livre n'a pas encore été traduit. Financez la traduction et rendez-le accessible à tous.
$0 / $2,9420% Financé
سلّمنا نفي العرف، وأن لفظ الباغية صالح للطلب، وللتعدّي، لكن النبيّ ﷺ ذكر الفئة الباغية في هذا الحديث في معرض إظهار فضيلة عمّار ﵁، وذم قاتليه، ولو كان المقصود البغي الذي هو مجرد المطلب لمَا أفاد شيئًا من ذلك، وقد أفادهما بدليل مساق الحديث، فتأمله بجميع طرقه تجده كذلك.
وأيضًا فلو كان ذلك هو المقصود لكان تخصيص قتلة عمّار بالبغي الذي هو المطلب ضائعًا، لا فائدة له؛ إذ عليّ وأصحابه طالبون للحقّ ولقتلة عثمان، لو تفرغوا لذلك، وتمكنوا منه، وإنما منعهم من ذلك معاوية وأصحابه بما أبدوا من الخلاف، ومن الاستعجال، مع قول عليّ لهم: ادخلوا فيما دخل فيه الناس، ونطلب قتلة عثمان، ونقيم عليهم كتاب اللَّه، فلم يلتفتوا لهذا، ولا عرّجوا عليه، ولكن سبقت الأقدار، وعظمت المصيبة بقتيل الدار.
وأما فساد التأويل الثاني فواضحٌ لأنَّه عَدْل عمن وُجد القتل منه إلى من لا تصح نسبته إليه؛ إذ لم يُجبَر عمّار على الخروج، بل هو خرج بنفسه وماله مجاهدًا في سبيل اللَّه، قاصدًا لقتال من بغى على الإمام الحقّ، وقد نقلنا ما صدر عنه في ذلك، وحاشَ معاوية ﵁ عن مثل هذا التأويل، والعهدة على الناقل، بل قد حُكي عن معاوية ﵁ أنه قال عندما جاءه قاتل عمّار برأسه: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "بشِّر قاتل ابن سمية بالنار"، فلما سمع القاتل ذلك قال: بئست البشارة، وبئست التحفة، وأنشد في ذلك شعرًا، واللَّه أعلم بحقيقة ما جرى من ذلك، وقد تقدّم قول النبيّ ﷺ في الخوارج: "تقتلهم أَوْلى الطائفتين بالحقّ"، والقاتل لهم هو عليّ ﵁، وأصحابه. انتهى كلام القرطبيّ (١) ﵀.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة المسألة أننا نقول: عليّ ﵁، وأصحابه هم أهل الحقّ، والذين قاتلوهم فيهم كبار أصحاب رسول اللَّه، فالواجب أن نعتذر عنهم بأنهم مجتهدون، أخطؤوا في اجتهادهم، وهذا هو السلامة كل السلامة، وهي مقدّمة على كلّ شيء، فلا نخوض في القضيّة بأكثر من هذا، ورحم اللَّه ﷿ الإمام العدل، والناطق بالعدل، عمر بن عبد العزيز ﵁ حيث قال حين سئل عما جرى بينهم: تلك دماء قد طهّر اللَّه منها سيوفنا، فلا
(١) "المفهم" ٢٣/ ٩٧.